بواسطة:
admin بتاريخ : الخميس 20-11-2008 04:55 صباحا
عبد الحميد الغرباوي
أسفل عمارة،
عمارة بهندسة باروكية تنضح بكل سمات التقادم و التهالك...
أسفل هذه العمارة،
اختارالإقامة َ بمحاذاة مدخلها الذي يشبه فم عجوز أدردَ..
العمارةِ،
الواقفة بعناد ضد الزمن القاضم،
الكاسر،
الناخر،
الواقفةِ على رصيف ضيق...
الرصيفُ...
هذا الرصيفُ الضيقُ،
محدودبٌ..
صاعد ٌ
هابط،ٌ
مهجورٌ صامتٌ،
ساكنٌ
سكون حكيم موغل في العمر...
سادرٌ يفكر في حال الدنيا...
.... ماذا؟..
ماذا لو كانت الأشياء..
الأشياء و الأماكن،
تملك القدرة على النطق؟...
لو...
لو تنطق،
لحكتْ حكايةَ وجود...
وجودها...
حكايةَ حياة...
حياتها...
***
دعني أحدثك عنه...
ـ عن من؟...
ـ عن عصفور...
ـ عصفوري أنا؟...
ـ عصفورك أنتَ بليدٌ...
لا يتعبُ من التغريد،
العصفور الذي أود الحديث عنه،
ذاكَ..
الجالسِ في تلك الفسحة من الأرض المنداة ،
هناكَ...
قبالة تلك المقهى الفاخرة،
المكيفة الهواء...
ذاكَ،
المتلفعِ في أسماله،
الملفوفِ في صمته،
حزنِه،
المنطوي على أسراره،
أسرارِ ِ حياته...
دعني أحدثك عن ذاك الذي يفرش أمامه جرائد و مجلات...
ذاك الملقب:
" العصفور الحارسُ"
أتعلم؟..
يملك القدرة على العد،
عدِّ الأقدام العابرة من قدامه..
لا يبدد نظراته في اللاشيء...
بمستطاعه معرفة شخصيتكَ
شخصيتي..
من نوع الحذاء،
لمعان الحذاء،
مقاس الحذاء،
شكل الحذاء...
ماذا تفعلُ !؟..
تذكرتَ الآن...
فقط ،الآن، تذكرتَ !؟..
أنك تنتعل حذاءً !
انظر،...
كم هو معفر،..
كوجه العالم،
كوجهكَ...
كوجهي ..
كالوجوه..
كل الوجوه،
المضغوطة،
المسلوخة،
المتورمة،
الكالحة،
الباردة،
المطفأة...
الممسوحة الملامح...
دعني أحدثك عن ذاك العصفور
الساخر ِ
منك ،
مني ،
منا،
من الأخبار اليومية المكرورة
من الحروب،
الحروب الساخنة و الباردة،
الساخر من الانفجاراتِ،
القتلِ،
الانتحارِ...
الصراخ البكاء
الضحك،
الجنون،
الغناءِ المبتذل..
الرقصِ على خشبات المسارح
الرقص على الحبال...
الساخرِ من أخبار المطربين و المطربات..
و أخبارِ الزواج الطلاق الطلاق الزواج...
الساخرِ من المهرجانات...
النعرات
نعرات كرة القدم
الدول
القبائلِ...
الساخرِ
من تقلبات الساسة والسياسة...
كالمناخ،
الساخر من المناخ
من الحر،
البرد،
العواصف ، الفيضنات، الزلازل..
الساخر من المؤتمرات،
المؤامرات...
الساخر من العالمِ...
أحدثك عن ذاك الذي لا تهمه البورصة..
و الصاعدُ فيها و الهابط..
و سباقُ الخيل و الكلاب..
و الرابحُ ، الخاسرُ
و آخرُ الصيحاتِ
دعني..
دعني أحكي عنه...
قد يكون..هو،
هو بالذات ...
يجيدُ حَكْيَ حكايته.. بالأقل...
لكنه ـ ربما ـ يأنف عن فعل ذلك...
و أتخيله يقول،
يقول في داخله سرا
أو يقول جهرا:
" و ما جدوى الحكيُ...
الحكيُ حد البكاء أو...
البُصاق؟..."
***
أنت تعرفُ..
أظنُّ..
و إنْ كنتَ لا تعرفُ،
فاعلمْ أن العش يُبنى غالبا في الطبيعة من مواد عضويةٍ مثل الأغصان و الأعشاب و الأوراقِ،
و في المناطق المسكونةِ يُبنى من موادَّ مصنعة بيد البشر كالخيوط و البلاستيك و القماش و الشعر و الورقِ..
و العش قد يكون حفرة في الأرض أو ثقبا في شجرة أو صخر أو بناية.
و يمكن أن يكون في هيئة ملحق أو طبقة مزينة خارجية أو طبقة مركبة أو بطانة...
و لكل فصيلة معينة من الحيوانات أسلوبها الخاص في بناء عشها.
العش، عموما، مسكن الطيور، ولكن قد يكون أيضا مسكنا لبعض الثدييات و الأسماك و الحشرات و الزواحف.
و من الثدييات: البشرُ...
و العش البشري قد يكون:
قصرا منيفا، من حجر متين صلب و خشب نادر و زجاج ملون و أرضية و أعمدة من رخام..
أو دارة تنفخ صدرها في تكبر و استعلاء..
و قد يكون شقة كعلبة كبريت في عمارة .
و قد يكون على هيئة دور تشكل أزقة ثعبانية تعبث فيها الرطوبة،
و تتجاهلها الشمس خوفا على أهدابها من الخبو و الذبول...
و قد يكون على هيئة مكعب غير مستقيم الجوانب من قصدير أو خشب..
من قصدير و خشب...
أو على هيئة حرف من الحروف اللاتينية...
و قد يكون على شكل قوقعة...
هو،
بنى عشه،..
بناه،..
خيطا خيطا،
خشبة خشبة،
قماشا قماشا،
بلاستيكا، بلاستيكا...
حبلا ً حبلا َ..
***
لا أحد يعرفُ من أين أتى...
لكنه،
و في غفلةٍ من الناس
من الأعينِ الراصدة
من الوقتِ
من الفجرِ
النهارِ
الليلِ
الفصلِ...
الفصول...
حطَّ كعصفور دائخ ضل طريقه
جائعا،
منهكا،
عاريا،...
حط أسفل العمارة الباروكية القديمة،
و بتواطؤ مع سكانها ،
و بمحاذاة المدخل الذي يشبه فم عجوز أدردَ..
بنى عشه..
بناه،
خيطا خيطا،
شهقة، شهقة،
خشبة خشبة،
أنة، أنة،
قماشا قماشا،
خطوة ، خطوة..
بلاستيكا، بلاستيكا...
نبضا، نبضاَ،
حبلا ً حبلا َ..
حتَّى...
صار على شكل عش طويل، يدخله ،
كلما جن الليلُ.
و بعد أن يكون قد باع آخر صحيفة من صحف الغد، يدخله زحفا على ركبتيه و كفيه...
و يسدل الستار و أذناه لا تتوقفان عن رصد كل حركة أو نأمة تحدث أمام مدخل العمارة...
***
انظر،
هاهو قادم...
ــــــــ arbaouiabdel_(at)_yahoo.fr