بواسطة:
admin بتاريخ : الخميس 13-08-2009 12:32 مساء
سري عبد الفتاح سمور-جنين-فلسطين المحتلة
« أيها المارُّون بين الكلمات العابرة
احملوا أسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا، و انصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة
و خذوا ما شئتم من صورٍ كي تعرفوا
أنكم لن تعرفوا
كيف يبني حجرٌ من أرضنا سقف السماءْ...» -عابرون في كلام عابر للراحل محمود درويش
في التاسع من آب (أغسطس) من العام الماضي 2008 رحل الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش ،مخلّفا وراءه فراغا كبيرا في ساحة الثقافة والإبداع الفلسطينية خاصة والعربية عامة ،هذا الفراغ الذي نخشى ألا يكون هناك من هو مؤهل لشغله،ونحن نحيي ذكرى درويش هذه الأيام علينا أن نحزن لحال الحركة الثقافية ومستقبل الإبداع العربي ،لا سيما ونحن نرى الموت يخطف كبار مبدعينا الواحد تلو الآخر ،مع شعور ينتابنا أن الفراغ الذي يتركه كل مبدع أكبر من أن يملأ ،وأن «الخليفة» لكل شاعر أو روائي أو مفكر غير موجود لدينا ،وبتنا في قلق ،وحق لنا أن نقلق على من تبقى لنا من رواد الفكر والثقافة والإبداع ،وما مصير الحركة الثقافية حين يتوفاهم الله؟وسبيل الموت غاية كل حيّ!
ولو استعرضنا من توفوا من أهل الفكر والإبداع خلال السنوات الخمس الماضية دون أن يسد مكانهم أحد لوجب علينا ألا نكتفي بالقلق ،ففي عام 2004 رحل الروائي العربي الكبير «عبد الرحمن منيف» بعد أن أثرى المكتبة العربية بأعمال روائية رفعت مكانة الرواية العربية إلى قمة سامقة.
وفي العام 2006 رحل الأديب والشاعر «محمد الماغوط» الذي قدم للمسرح السياسي العربي أعمالا حية لم تفقد بريقها حتى الآن.
وفي العام الماضي 2008 رحل المفكر الكبير«عبد الوهاب المسيري» الذي أصّل بأسلوب موضوعي ورؤية علمية لا تشوبها شائبة لمسألة اليهود واليهودية والصهيونية من خلال موسوعة استغرقت نحو عقدين من حياته،وتعتبر مرجعا لكل طالب أو باحث أو مهتم .
وفي بواكير العام الحالي 2009 رحل الأديب الرائع «الطيب صالح» بعد أن قدم أعمالا ،على قلّتها، حفرت للرواية العربية مكانة لا ينكرها حتى ألد أعداء العرب، وناقشت جدلية العلاقة بين الشرق والغرب وما يتبعها من آثار اجتماعية واقتصادية وسياسية.
عام مرّ إذن على رحيل الشاعر محمود درويش ،وهناك من سبقه إلى الدار الآخرة وهناك من لحقه وسيلحقه من رواد ومبدعي الثقافة والفكر العرب،ويبقى السؤال:أين الخلفاء؟ولماذا أصبحنا نشعر وكأن عقما حلّ بحياتنا الثقافية وشللا يكاد يصيب مسيرتنا الإبداعية؟
حين يكون هناك نقص في الأطباء المتخصصين في علاج مرض ما،نقول أرسلوا الطلبة المتفوقين إلى أكبر وأعرق الجامعات كي يتعلموا ويعودوا ويسدوا الفراغ وينهوا حالة النقص في المستشفيات والعيادات،وذات الأمر ينسحب على الهندسة والعديد من العلوم التطبيقية والإنسانية،ولكن الإبداع ليس فقط بالتعلم والذهاب للجامعات والمعاهد،فهناك الموهبة الربانية ،وهناك نوع من التوازن ،فأهل الإبداع عادة قلة ،ولكنهم كانوا يتجددون.
ورغم ذلك فإنه لن يخرج هنا أو في أي مكان مبدعون دون أن يكون هناك جيل يقرأ ويتعلم،فلو طالعت سيرة أي مبدع لوجدته قد قرأ وبنهم وشغف أعمال الكبار والصغار من أهل الثقافة والفكر والأدب ،فيما نشتكي نحن من تراجع حركة القراءة والاطلاع ،وتراكم الغبار على الكتب المرصوصة في رفوف المكتبات المشتاقة لمن يقرأ ويتعلم ويكون مشروعا لشخصية مبدعة،وفي الشهر الماضي (تموز يوليو) مرت الذكرى السابعة والثلاثين لاستشهاد غسان كنفاني،ولدي سؤال مؤلم:كم ممن هم تحت سن الأربعين قرأ ولو قصة قصيرة لكنفاني،رغم أنهم طالموا سمعوا به؟!
هذا في الوقت الذي نرى فيه الجانب الآخر من العالم في حراك إبداعي وصلنا نفحات منه ،فهناك «دان براون» و«باولو كويلو» و«جابرييل كارسيا ماركيز» وآخرون ربما ستصلنا أعمالهم ،ونحن ندفن مبدعينا دون أن نواسي أنفسنا بأن لهم خلفاء!
ولكن الأمل يبقى ،وحين ننظر إلى الشاعر الشاب «تميم البرغوثي» ينبعث الأمل بأن التجدد وتواصل المسيرة لم يتوقفا،ولكن كلنا أمل ألا تكون قصيدة «في القدس» لتميم البرغوثي «بيضة الديك» في أشعاره،وحين أذكر تميم لا أقلل بتاتا من شأن الآخرين،ونعلم أن هناك جواهر موجودة ربما لم نكتشفها بعد،ولكن هذا لا ينفي وجودها ،وإلى حين اكتشافها يبقى القلق يساورنا كلما دفنا أحد مبدعينا ،أو احتفلنا بذكراه مثلما نحيي هذه الأيام ذكرى محمود درويش الأولى.